يقدّم لنا زمنُنا، في الظاهر، كلَّ أنواع التسهيلات التي تجعل الحياة أكثر رفاهيةً ويسرًا، في أبعادها العلميّة والتربويّة والثقافيّة والترفيهيّة. ومع ذلك، نجد أنّ الجميع، على اختلاف ظروفهم، يشكون التعب والإرهاق من أسلوب الحياة ومتطلباتها وتسارعها، على الرّغم من كلّ ما توفّره الحضارة الحديثة من وسائل الراحة والترف.
وهنا تبرز الإشكالية الأساس: لماذا أصبح الجميع متعبين؟
وأمام هذا السؤال، تزامنت قراءتي لكتابين: الأول للدكتور مناف منصور، "القرن الواحد والعشرون: عصر يبحث عن هوية"، والثاني للفيلسوف الكوري الألماني بيونغ-تشول هان، "مجتمع الإرهاق"، فكانت هذه التوليفة مدخلًا لقراءة أزمة الإنسان المعاصر.
كلّ شيء صار سريعًا بفعل تقدّم تكنولوجيا الاتصالات والمواصلات والإنترنت والهواتف الذكية والذكاء الاصطناعي... في المقابل، تفشّت الانقسامات في ميادين السياسة، وتسارعت التحولات الاجتماعية، وانتشرت فرص التعليم. هكذا صارت الحياة أسهل، وصار الوقت أكثر اتساعًا.
وعلى خطّ موازٍ، تفشّى الفساد في الدول وفي المجتمعات وفي المنظمات الكبرى، وشاع التطرّف والصدمات والحروب والأمراض والأوبئة والفيروسات. وإلى هذا وذاك، توسّعت الهجرة، وطفا صراع الشمال والجنوب، وغشي العصر ضباب روحي، فتراجع الإيمان، وصار الدين مثارًا للفتن...
إنّ أزمة البحث عن الهويّة في زمننا هي، في جانب منها، أزمة بحث عن الدور والحضور؛ ومن هنا يقدّم مناف منصور مفهوم التكامليّة. إذ يعتبر أن كلّ شيء يجري وكأنّ القرن الحادي والعشرين مسكون بظاهرة الشباب المترهل، فبمقدار ما يعيش جيل هذا العصر انتصارًا على قيود الخارج، فهو يعاني انحدارًا أمام العديد من الضغوط الداخلية؛ كأنّه أمام مفترق مليء بالاتجاهات والخيارات، بينما ضاقت ذاته في حيرة الخيار.
في هذا السياق، تكتسب فلسفة المفكر بيونغ-تشول هان أهمية خاصة. فقد حاول، في كتابه "مجتمع الإرهاق"، أن يفهم التحولات العميقة التي طرأت على الإنسان المعاصر، وأن يبيّن أنّ الإرهاق ليس مجرد مشكلة نفسية فرديّة، بل هو أحد أعراض الحضارة التي نعيش فيها. وما عرضه يكاد ينطبق على واقع المجتمع اللبناني الحالي.
إنّ أطروحة هان الأساس تقوم على انتقال المجتمع من نموذج يقوم على المنع والانضباط إلى نموذج يقوم على الإنجاز والإمكان. لم يعد الإنسان يسمع فقط: "لا يجوز لك"، بل أصبح يسمع بصورة مستمرة: "يمكنك أن تفعل". ظاهريًا، تبدو هذه العبارة إيجابية، ووعدًا بالحرية، لكنّها يمكن أن تتحول إلى آلية جديدة للضغط؛ فالإنسان الذي يعتقد أنّ كل شيء ممكن يصبح مسؤولًا عن كلّ فشل، وكلّ تأخر، وكلّ عجز عن الوصول إلى الصورة التي رسمها لنفسه، أو تلك التي بناها في عالمه الافتراضي.
ومن هنا تبدأ المفارقة: لقد تحرّر الإنسان من كثير من القيود الخارجية، لكنه أصبح أكثر خضوعًا لضغط داخلي لا ينتهي.
يقدم بيونغ-تشول هان تمييزًا أساسيًا بين مجتمع الانضباط ومجتمع الإنجاز. ففي مجتمع الانضباط تكون السلطة واضحة: يوجد من يأمر ومن يطيع؛ ويوجد قانون وحدود وممنوعات. أما في المجتمع المعاصر، فقد أصبحت السلطة أكثر نعومة وأقل ظهورًا، إذ تأخذ شكل التحفيز الدائم، فيتحول الإنسان إلى عبدٍ لذاته ولصورة مثالية يسعى باستمرار إلى تحقيقها، من دون أن يستطيع بلوغها كليًّا بسبب محدوديته وطبيعته الإنسانيّة. فيعيش تحت شعارات تبدو إيجابية: طوّر نفسك، حقّق أحلامك، كن أفضل مرآة لحقيقتك، لا تستسلم، استثمر وقتك، تعلّم مهارات جديدة، كن منتجًا، اصنع مستقبلك.
إلا أنّ تراكم هذه الدعوات وتحولها إلى واجب دائم يجعلان الإنسان غير قادر على قبول محدوديته، ويفقد لذة كلّ إنجاز؛ لأنّه ما إن يحقّقه حتى يجد نفسه تحت ثقل التفكير في إنجاز آخر يجب الوصول إليه. وهكذا يتحول الإنسان من كائن يعمل لأنّه مضطر، إلى كائن يعمل لأنّه يريد أن يثبت باستمرار أنّه قادر وموجود...
إنّ كلمة "أستطيع"، التي تبدو إعلانًا للحرّية، قد تتحول إلى عبء ثقيل: يجب أن أستطيع! وهنا ينتقل الضغط من الخارج إلى الداخل. ولعل أكثر ما يثير التأمل في فكر هان أنّ الإنسان المعاصر لم يعد بحاجة إلى مستغِلّ خارجي بالمعنى التقليدي؛ فهو أصبح، في الوقت نفسه، العامل والمدير والمراقب. ولن يصل الإنسان اليوم بسهولة إلى لحظة يستطيع فيها أن يقول: "هذه قدرتي".
هكذا انتهى المفكر هان إلى نتيجة قاسية، هي غياب فرحة النجاح، وانعدام الارتياح، وعدم التمتع بمسيرة الحياة نفسها. بل قد يصل الأمر إلى إرهاق مرضي، وربما إلى الاكتئاب، في عالم تشارك في صناعته أيضًا إشعارات الهاتف ومنصاته: خبر جديد، إشعار جديد، تعليق جديد، صورة جديدة، معلومة جديدة... فالعالم يتفاعل، وأنا لا يحق لي أن أغيب!
المشكلة ليست في التكنولوجيا ذاتها، بل في التحول الذي أحدثته في علاقتنا بالوقت والانتباه. فالإنسان لم يعد يعيش اللحظة كاملة؛ لأن جزءًا من انتباهه يبقى دائمًا معلقًا بشيء آخر. يجلس مع شخص، لكنه ينظر إلى هاتفه.. يأكل، لكنه يتابع الأخبار.. يمشي، لكنه يستمع إلى شيء.. يصلي، لكنه يفكر في الرسالة التي تنتظر الرد... حتى الوحدة لم تعد وحدة.
وهكذا لا يصبح الإرهاق نتيجة كثرة العمل وحدها، بل نتيجة كثرة المحفزات أيضًا. وهنا نجد أنفسنا، على صفحاتنا الخاصة في وسائل التواصل الاجتماعي، أمام تحدٍّ جديد: العمل على المحتوى الذي يجب أن نظهره من حياتنا. بمعنى آخر، لم يعد الإنسان يريد فقط أن يعيش؛ بل يريد أن يُرى وهو يعيش، وهذه إحدى مظاهر الاغتراب عن الذات!
وهنا يظهر نوع جديد من العمل: العمل على الصورة الشخصية.
نحن لا نكتفي بأن ننجح، بل نريد أن يعرف الآخرون أنّنا نجحنا. لا نكتفي بالسفر، بل نوثّق السفر.. لا نكتفي بالاحتفال، بل نصوّر الاحتفال.. لا نكتفي بالقراءة، بل نعرض ما نقرأه.. لا نكتفي بأن نعيش التجربة، بل نفكر في كيفية تقديمها للآخرين...
وهكذا ينقسم الإنسان إلى شخص يعيش، وشخص يراقب نفسه وهو يعيش.
وهذا الانقسام مرهق، لكي لا أقول انفصامًا مرضيًا، لأنه يحمل في طياته خطرًا على وحدة الذات؛ فالإنسان الذي يراقب صورته باستمرار قد يفقد عفوية وجوده. يصبح السؤال: كيف أبدو؟ بدلًا من: من أنا؟ وهذا قد يبلغ حدّ الاغتراب عن الذات...
وعندها يصبح الإنسان محتاجًا دائمًا إلى الإنجاز كي يشعر بقيمته، ومع ذلك لن يكون أي إنجاز كافيًا. ولعل أبرز عوارض هذا الواقع هو عدم القدرة على الاكتفاء.
ربما أصبح الجميع متعبين لأننا نسينا شيئًا بسيطًا جدًا: أن الإنسان ليس آلة.
لقد منحنا عصرنا وسائل مذهلة للعمل والتواصل والإنتاج، لكنه في الوقت نفسه جعل التوقف يبدو وكأنّه فشل، والبطء وكأنه عجز، والصمت وكأنه فراغ، وعدم الإنجاز وكأنه نقص في القيمة.
وهنا تكمن أهمية بيونغ-تشول هان: إنّه لا يكتفي بالقول إننا متعبون، بل يدفعنا إلى السؤال عن نوع المجتمع الذي جعل التعب حالة طبيعية.
لقد انتقلنا من مجتمع يقول للإنسان: "يجب عليك أن تعمل"، إلى مجتمع يقول له: "يمكنك أن تعمل أكثر". وبين العبارتين تغيرت طبيعة السلطة، لكن الإنسان لم يتحرر بالضرورة من الضغط.
لذلك، قد يحمل بعدًا فلسفيًا قولك "لا" لثقافة السرعة، وقد تستعيد ذاتك بوضع هاتفك جانبًا ولو لبعض الوقت. كما قد تستعيد حقًا جوهريًا حين تجلس في صمت من غير أن يتملّكك أي شعور بالذنب.
فالإنسان لا يحتاج إلى أن يكون منتجًا طوال الوقت كي تكون له قيمة، ولا مواقعه أو إنجازاته هي التي تحدد كرامته. إن قيمة الإنسان وكرامته تكمنان في إنسانيّته، وفي قدرته على تكامليته مع سواه.
وهنا تلتقي أزمة الهوية عند منصور مع أزمة الإرهاق عند هان: فكلما اتسعت أمام الإنسان إمكانات الاختيار، ازداد ضغط ضرورة أن يختار وأن يثبت ذاته وأن يصنع حضوره. وهكذا لا يعود السؤال: ماذا أستطيع أن أفعل؟ بل: ماذا يجب أن أكون؟
في هذا المعنى، لا يمكن أن نقرأ الراحة كسلًا، بل من الأصح اعتبارها اعترافًا بحدود الإنسان. إن التحرر من الإرهاق لا يأتي من النوم أو من الاستجمام فحسب، بل يتحقق أيضًا عبر إعادة النظر في الفكرة التي نحملها عن أنفسنا: هل نحن موجودون لكي ننتج باستمرار؟ أم أننا ننتج وننجز لكي نحيا حياةً أكثر إنسانية؟
هذا هو السؤال الذي يضعه مجتمع الإرهاق أمامنا اليوم: هل نملك الشجاعة لكي نتوقف قليلًا ونقول، بكل بساطة: بدنا نروق... لنرتاح!
*قراءة فلسفية في فكر بيونغ-تشول هان ومناف منصور






















































